سيد محمد طنطاوي

13

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز ، وأن هذا القرآن من عند اللَّه ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّه لَوَجَدُوا فِيه اخْتِلافاً كَثِيراً . وقوله - تعالى - : * ( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَه زَكَرِيَّا ) * خبر لمبتدأ محذوف . أي : المتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده ذكريا . ولفظ * ( ذِكْرُ ) * مصدر مضاف لمفعوله . ولفظ * ( رَحْمَتِ ) * مصدر مضاف لفاعله وهو ربك ، و * ( عَبْدَه ) * مفعول به للمصدر الذي هو رحمة . و * ( زَكَرِيَّا ) * هو واحد من أنبياء اللَّه الكرام ، وينتهى نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - . والمعنى : هذا الذي نذكره لك يا محمد ، هو جانب من قصة عبدنا زكريا ، وطرف من مظاهر الرحمة التي اختصصناه بها ، ومنحناه إياها . وقوله : * ( إِذْ نادى رَبَّه نِداءً خَفِيًّا ) * ظرف لرحمة ربك . والمراد بالنداء : الدعاء الذي تضرع به زكريا إلى ربه - عز وجل - . أي : هذا الذي قرأناه عليك يا محمد في أول هذه السورة . وذكرناه لك ، هو جانب من رحمتنا لعبدنا زكريا . وقت أن نادانا وتضرع إلينا في خفاء وستر ، ملتمسا منا الذرية الصالحة . وإنما أخفى زكريا دعاءه ، لأن هذا الإخفاء فيه بعد عن الرياء ، وقرب من الإخلاص ، وقد أمر اللَّه - تعالى - به في قوله : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وخُفْيَةً إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . ويبدو أن هذا الدعاء قد تضرع به زكريا إلى ربه في أوقات تردده على مريم ، واطلاعه على ما أعطاها اللَّه - تعالى - من رزق وفير . ويشهد لذلك قوله - تعالى - : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وكَفَّلَها زَكَرِيَّا ، كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ، إِنَّ اللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ . هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّه قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما نادى به زكريا ربه فقال : * ( قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي . . . ) * والوهن : الضعف . يقال : وهن الجسم يهن - من باب وعد - إذا ضعف . وخص العظم بالذكر ، لأنه دعامة البدن ، وعماد الجسم ، وبه قوامه ، فإذ ضعف كان غيره من أجزاء الجسم أضعف . وإفراد لفظ العظم لإرادة الجنس .

--> ( 1 ) سورة آل عمران من الآيتان 37 ، 38 .